سهيلة عبد الباعث الترجمان

719

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

هي ، وإنما هو ضرب من التعبير أقدر على التأثير في السامع تأثيرا قويا ، وأدعى إلى إهاجة العاطفة وإثارة الشعور من ناحية أخرى « 1 » . وقد اصطنع شعراء الصوفية لغة خاصة بهم ، فهي إما رموز وإشارات ، أو كنايات وتلويحات لها من المعاني العميقة ما يجل عن فهم من ليس من أصحاب الأذواق الروحية والأحوال الصوفية ولا تسيغه عقول العامة . والصوفية يؤثرون الإشارة على العبارة ، ويعمدون إلى التلويح دون التصريح سترا لحقائقهم وكتما لأسرارهم ، وضنا بعلومهم وغيرة على حقائقهم وأسرارهم من أن تشيع في غير أهلها أو تنكشف لمن ليس أهلا لها . وقد أشار القشيري إلى ذلك فقال : " وهذه الطائفة - يعني الصوفية - يستعملون ألفاظا فيما بينهم ، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والإخفاء والستر على من باينهم في طريقهم ، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أو مجلوبة بضرب تصرف ، بل هي معان أودعها اللّه تعالى قلوب قوم ، واستخلص لحقائقها أسرار قوم « 2 » . ولقد درج الجيلي على هذا الطريق ، فضمّن شعره صورا مختلفة من صور الحب تتصل بذكر من أحب من معشوقاته ، والوصل والهجر ، والقرب والبعد ، وواصفا الخمرة وما يتصل بها من حان وألحان ، وكأس وندمان وكل ما يتضمنه الشعر الخمري والغرامي ، وكل ذلك بطريق الإشارة والرمز ، دون التصريح بالعبارة ، صونا لعلومهم وحفظا لها وكتما لأسرارها على من هم ليسوا من أهلها . كما أن من شأن الحب عند الصوفية أن يستتبع حالة من الوجد وهي الفناء ، حيث يفنى العبد عن شهود كل ما سوى الحق من الخلق فلا يرى غير اللّه فيكون فناؤه باللّه ، وهي حالة يغيب فيها الصوفي عن إدراكه لذاته لفنائه في المحبوب وهو اللّه . فلا يعد يعي شيئا من حقائق أموره ولا يشعر بنفسه ولا بشيء من لوازمها . وهذا ما أشار إليه الغزالي بوصفه للفناء قائلا : " وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب

--> ( 1 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، ص 143 . ( 2 ) القشيري ( عبد الكريم بن هوازن ) ، الرسالة القشيرية ، ص 31 .